يحيي بن حمزة العلوي اليمني

91

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المشاق في حمل الولد وفصاله ، وما في أثناء ذلك من مشقة التربية والمزاولة لمصالحه ، والحنو والتعطّف عليه ، وخص الأم بالذكر ، تنبيها على اختصاصها بمزيد المشقة وتعاطى المباشرة له في كل أحواله ، فتوسّط هذا الاعتراض بما ذكرناه ، قد اشتمل على الإشارة إلى ما قررناه مع احتوائه على حسن الوصف وجودة السياق كما ترى ، ومن شريفه قوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [ النحل : 101 ] فقوله والله أعلم بما ينزل ، اعتراض بين إذا وجوابها ، وفائدته تقرير لمصلحة التبديل ، وتعريض بجهلهم بمعرفة ذلك ، وإعلام لهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك ، فهذه الجملة الابتدائية الواردة اعتراضا قد قامت مقام ما ذكرناه من هذه الأسرار . ومن غريبه وعجيبه قوله جل وعلا : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا [ 2 لبقرة : 72 - 73 ] فقوله : والله مخرج ، جملة ابتدائية وردت معترضة بين الكلامين وفائدتها التقرير في نفوس السامعين بأن تدافع بني إسرائيل في قتل النفس ليس نافعا في إخفائه وكتمانه ، لأن الله تعالى مظهره وتعريف بأنه تعالى : مطلع على كل خافية ، وأكرم بمعانى التنزيل ، فما أنفعها وأعلى مكانها وأرفعها ، والاعتراض في القرآن أكثر من أن يحصى ، ومما ورد من المنظوم في الاعتراض قول امرئ القيس « 1 » : فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال فقوله « ولم أطلب » وارد على جهة الاعتراض بين الفعل وفاعله ، وإنما أورده ، تعريفا بتحقير أمر المعيشة وإعراضا عنها وأنه يأتي بأسهل أمر ، وإنما الذي يحتاج إلى العناية هو طلب الملك والمجد المؤثّل كما قال « 2 » : ولكنما أسعى لمجد مؤثّل * وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي

--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 39 ، والإنصاف 1 / 84 ، وتذكرة النحاة ص 339 ، وخزانة الأدب 1 / 327 ، 462 ، الدرر 5 / 322 ، وشرح شذور الذهب ص 296 ، وهمع الهوامع 2 / 110 ، وتاج العروس ( لو ) وبلا نسبة في شرح الأشمونى 1 / 201 ، 3 / 602 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 880 ، ومغنى اللبيب 1 / 256 ، والمقتضب 4 / 76 ، والمقرب 1 / 161 ، والكتاب 1 / 79 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 342 ، 2 / 642 ، وشرح قطر الندى ص 99 . ( 2 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 39 وإصلاح المنطق ص 21 ، والإنصاف 1 / 84 ، وجمهرة اللغة ص 121 ، وخزانة الأدب 1 / 327 ، والدرر 2 / 207 ، ورصف المباني ص 319 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 38 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 92 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 342 ، 2 / 642 ، ولسان العرب ( أث ل ) ، وتاج العروس ( أثل ) ، ( لو ) ، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص 340 ، ومغنى اللبيب 1 / 256 ، وهمع الهوامع 1 / 143 .